عواصم القلوب : الرسالة الاولى
عواصم القلوب : الرسالة الاولى
من م.ب إلى التي تعانق الشمس عند غروبها هاته المرة .إلى :إ.ال
البلد :المغرب
العنوان:نفسه
العمر:أكبر
مما قلته لك المرة الماضية
أما بعد ،
اليوم وكأي قاطن
في هاته المدينة لابد وأن أرتاد الحافلة ولو مرة في اليوم ،لكنه كان يوما
استثنائيا .خطفتني طفلة صغيرة
كانت في العاشرة
من عمرها، لم تقل لي مباشرة أنها يتيمة الأب.... الأطفال في سن مبكرة لا يعترفون
بموت الآباء خصوصا موت الأب ، لأنهم يعتبرونه نوعا من التخلي عنهم ، فيشعرون بعد
موت الأم أو الأب بالنقص وعدم الثقة، وأن لا أحد سيحبهم مرة أخرى، لكنهم يحتفظون
في قلوبهم الصغيرة بحب آبائهم، ثم بشعور غامض على أساس أنهم سيعودون يوما ما.
في الحافلة كلمتني عن نفسها قالت أنها " ستذهب مع
أمها لأول مرة الى الجزائر وهناك ستدرس عند معلمة اسمها فضيلة"،شابة في مقتبل
العمر و لا زالت في بداية مشوارها ،لكنها ليست أقل من أن تعطي تلاميذها أكثر مما
تعلم...،طيبة...،خلوقة من أسرة متوسطة أصيلة،ستشتاق لوالدها كثيرا" .تفاجئت
من معرفتها كل هاته التفاصيل الجميلة عن أستاذتها ،فأخبرتني أن أمها تحكي لها كل
شيء عن بلدها الثاني الجزائر وأن منزل
الأستادة بجوار منزلهم هناك ... أثناء استرسال حديثنا فهمت أن أباها مات وهي
صغيرة، وأن عمتها ربتها. والآن استرجعتها أمها لتسكن معها في الجزائر"
الأم كانت
امازيغية ريفية تبدو في الأربعينيات من عمرها،امرأة رشيقة القوام،بهية الطلعة،تمشي
على استحياء...لكن الظروف جعلتها تخلع عنها لباس من يعتني بها، يقولون أن الفقر
كافر، لا بل وظالم وطاغي ،وكافر الكفرة هو ،لكنه يبقى ابتلاء داؤه ظاهر ودواؤه
الصبر. في الحافلة رأيتها لاول مرة، كانت تحاول بارتباك أن تضع حقيبة على رف
الحافلة يبدو أنها ثقيلة، أحسست من أول نظرة أنها من دون أب..قلت لها: " هل
تريدين أن ان أساعدك؟" استدارت نحوي مستجيبة، فوضعتها... قبلتها وذهبت. في
الحافلة استغلت نوم أمها وجاءت لتجلس بجانبي...كانت سعيدة ومرتاحة وهي تتكلم معي
بحثا عن حنان يبدو أنها تفتقده.
أما الام فبمجرد
ما لمست حناني نحو ابنتها، اصبحت تمر امامي على طول تلك الرحلة عابسة ومتجهمة وهي
تركض ورائها دون أن تجرؤ على الالتفات لي.
قلت مع نفسي :
بعض الناس عاجزون عن الاحساس بالمحبة وفهمها...هذه المرأة لم تفهم جيدا احتياج
ابنتها لحنان رجل، حتى لم
تكن قادرة على فهم عاطفتي اتجاهها... ،ربما أعطتها تفسيرات لا تخطر لأحد على
البال، فهي من الممكن أنها تلقت تربية تتمثل بأن تأخد الحذر من الغرباء،لتعلم
ابنتها تعليما بطريقة غير مباشرة"صحيحة"،إن الحذر كأي سلوك وكنقيضه يجب
ألا يكون متطرفا...وألا يصبح بدون معنى.
أما المحبة!
فبؤساء أولئك الذين لا يستطيعون شمها...ولا يستطيعون التقاط ذبذباتها ولو على
مسافات بعيدة.بؤساء أولئك الذين رغم التجربة والسنين لا يستطيعون أن يفرحوا بلمسة
محبة ...ولمسة حنان ولو بشكل عابر.
رواية :عواصم
القلوب
محمد.بورزة......هنا،الآن وإلى أن يشاء الله .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق