Breaking

Post Top Ad

Post Top Ad

السبت، 14 ديسمبر 2019

فن القصة : كلّ ما لا يتحرك يجبُ دفنه..

كلّ ما لا يتحرك يجبُ دفنه..


 كلّ ما لا يتحرك يجبُ دفنه..


في مقهى الضيافة جلستُ أطّلعُ على المحاضرات المتعلقة بفصلي الدراسي، إسماعيل التحق بي بعد إتمامي مراجعة الدروس، وجّه إلي التحية، ثم استرسل متسائلا بدون مقدمات:

- لماذا خُلقتَ يا حمزة؟

لا أدري ماهية قصده، ولا غرضه من طرح هذا السؤال الوجودي المفاجئ الذي لم يسبق لي يوما أن فكرتُ فيه، لكن لا حرج إن فكرتُ الآن في سبب وجودي:

ـ خلقتُ لسببين: الأول لأجتاز الامتحانات، والثاني لأضحك على صديقي علي.

ـ لم أفهم؟ وضّح جوابك.

- جوابي واضح، كنتُ في السابعة من عمري حين قدمت لي أستاذتي سعاد ورقة لأجتاز فيها امتحان الانتقال للمستوى الثاني، فرسبتُ فيه.. منذ ذلك الوقت وأنا أدرسُ بكثرة كي لا أرسب في الامتحانات الدراسية، كما أنّي حين أتأخر في العودة إلى منزلنا في الجبل، تقف أمي في الباب تمنعني من الدخول حتى تشم رائحة ملابسي وأنفاسي لتتأكد أني لم أدخن.. هذا امتحان أيضا يتعبني كثيرا، ناهيك عن حبيبتي التي علي دائما أن أقنعها أنها جميلة وأن حبي لها حبٌّ صادقٌ، وأني ما قابلتُ أحدا يوما غيرها... ولا أخفي عنك يا صديقي إسماعيل أن أبي أخبرني حين كنتُ صغيرا أني سأجتاز امتحانا حتى حين أموت، سيكون الله هو الحكم، إني خائف جدا من الرسوب في هذا الامتحان، لأني لم أستعد له بتاتاً.. أترى؟ لن أرتاح من تعب الامتحانات حتى حين أموت.
إسماعيل تلوحُ له فتاة جالسة في الركن القصيّ من المقهى، فانصرفَ دون أن يكلّف نفسه الاستماع إلى تتمة إجابتي عن سؤاله، فعرفتُ أنه أيضا ذاهبُ ليجتاز امتحانا صعبا، شرسا، يكون فيه الرسوب خسارة عظيمة.
فكرت وأنا منزوٍ أمام الأوراق في أن الذين عليهم تقديم إجابات يطرحون بدورهم أسئلتهم، لكن إسماعيل طرح سؤال وغادر تاركاً إياي حائرا في من سأكمل له الإجابة عن سؤاله.

عاد اسماعيل راسبا في امتحانه مع الفتاة التي كانت تلوح له، أقبح ما قد يحدث للإنسان أن يرسب مع فتاة جميلة. هذا ما وقع لصديقي إسماعيل، حاولتُ أن أشرح له أنه كان يجبُ أن يستشهد بحجج كثيرة ليقنع الفتاة التي قابلها في مرافقته لتناول وجبة عشاء، لكن الحجج التي يوظفها الإنسان مع فتاة يود مواعدتها تختلفُ جوهريا مع الحجج التي توظف في ورقات الامتحانات الدراسية، لأن الأولى مبنية على أساس مادي، والثانية على أساس نظري، بالتالي فالتفوق الدراسي لا ينفع في الممارسات الغرامية.

جلس إسماعيل خائبا، ينظر إلي مشمئزا، حاولتُ أن أثير انتباهه، فاسترسلت في إجابتي عن سؤاله: أتدري لماذا أخشى الرسوب في الامتحانات وفي الآن نفسه أضحكُ على رفيقي علي؟

سأحكي لك قصة وستكتشف ذلك بنفسك: قبل أسبوع، كنا في شقتنا نتناول وجبة عشاء أعدها عاصم "الحماص"، كانت الساعة تتجه نحو الحادي عشر ليلا، سمعنا جرس المنزل يرن، قمتُ لأرى من زارنا في ذلك الوقت المتأخر من الليل، رفعتُ الجرس، كان صوت أنثى، تسأل عن علي، وتصر علي أن أقول له أنها في حاجة ماسة إليه، وأنها تنتظره قرب باب العمارة.. علي قام مباشرة تاركا الطعام، لبس معطفا كان قد اشتراه عاصم قبل يومين، مشط شعره، طلبتُ منه أن أرافقه، رفض بشدة ثم قال لي بالحرف: "إنها تطلبني أنا ولا تطلبك أنت أيها القذر".. لم أسمع منه كلاما مثل هذا من قبل، لكن الآن... الأمر يتعلق بفتاة، لا مشكلة في ذلك، تركته ليقضي مآربه وحده، لعله هذه المرة سيكون رجلا..

بعد خمس دقائق من خروجه اتصل بي، وطلب مني أن ألتحق به، فرحتُ، قلتُ مع نفسي أن الفتاة التي طلبت علي، معها صديقتها وتريد أن ترافقني، الذين يعرفونني يعرفون أن علي صديقي. خرجتُ مباشرة ، قصدتُ مكان اللقاء، لكن حينما التقيتُ بهم لم يكن الأمر كما كنتُ أتوقعه.. علي كان حزينا والتي ذهب إليها كانت تحمل جثة حيوان أليف، تبكي بغزارة، قال لي علي: صديقتي مات حيوانها تود أن نساعدها في حفر قبر له، يا للصدفة! خرجتُ وأنا عازم على لقاء غرامي، فأصبحتُ حفار قبور..

لما وصلنا إلى المكان المنشود بدأ علي يحفر حفرة، وأنا أحفر أيضا حفرة أخرى، قالت لي الآنسة التي تحمل في يدها جثة: لماذا تحفر حفرة ثانية؟ هنا جثة واحدة فقط..


ـ لا يا أستاذتي.. هنا جثتين، الأولى تحملينها في يدك، والثانية عند علي تحت بطنه.. كلّ ما لا يتحرك يجب دفنه.






حمزة شيوب📝


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad