"إدارة الحب"
عبثا نحاول تجنب الأزمات، إلا اننا لا نعي أنها
مطبات عادية و متوقعة خلال رحلة الحياة. ازمة العلاقات، أو معضلة الارتباط، واحدة
من هذه المطبات التي نجهل التعامل معها، فنجد الشخص بعد خيبات عديدة يعتزل
الارتباط و يحكم على نفسه بالفشل. ربما الفشل راجع للصورة النمطية بأذهاننا عن
الأخر و انتظارنا منه التضحية التامة و التفهم المطلق، نصطدم فيما بعد بتنوع
الشخصيات و استحالة التفاهم مع إحداها. الحياة مجازفة، لكن العلاقة تحتاج لإدارة
حكيمة. ما نجهله نحن هو أن للعاطفة كيمياء خاصة بها، و للحب خاصة ادوات يجب
على الفرد الإلمام بها و إدارتها بما يخدم استمرار علاقته مع الآخر.
تناول الدكتور طارق الحبيب من خلال برنامجه المميز
"أسرار"، الحب كمادة علمية محضة، تقبل التحليل و التفسير من كافة
أبعادها المحتملة، و أكد ان السبيل للتفوق هو التمكن من فهم أركان الحب و كيميائه،
و تقبل مختلف الشخصيات و استيعاب فطرتها المختلفة. كما ركز على البعد الإسلامي
الذي يلبس العلاقة ثوب الرحمة، المودة و الاحترام.
يمر شعور الحب من ثلاثة مراحل قبل أن تكتمل صورته.
الخطوة الأولى و هي التعلق، ترتكز على الملاحظة و التتبع، بحيث يجد الشخص نفسه
مهتما بالطرف الآخر، منبهرا بعالمه و شديد التفكير به. كلما أطال البقاء في هذه
المرحلة كلما اشتد التعلق و الاهتمام وساء التوازن و اختل الميزان. الخطوة
الثانية، سماها الاكتشاف، بمعنى التعرف عن قرب عن شخصية الحبيب؛ عيوبه قبل خصاله،
طريقته الخاصة في إدارة عاطفته. هنا يستوقفنا احتمالان، الأول إيجابي، يؤكد التعلق
و يزكي التوافق بين الطرفين. الاحتمال الثاني، قد يكون خيبة أمل، تلغي التعلق و
يصطدم الشخص بصورة مختلفة تماما عن التي كونها عن الحبيب خلال المرحلة الأولى و
التي هي التعلق. الخطوة الأخيرة، و هي التكيف، نعم هذه المرحلة هي آخر مراحل نضج
العاطفة قبل قطف ثمرة الحب و التلذذ بها. و التكيف هنا بمعنى تقبل الحبيب باختلاف
شخصيته و إدارته لعاطفته و زاوية نظره الخاصة للعلاقة، هو تعايش مع عيوبه قبل
خصاله و التجديف معا قصد التكامل لا التشابه.
السر لإنجاح العاطفة هو التوازن بين المراحل الثلاثة،
فالمكوث المطول بمرحلة على حساب أخرى، أو تجاوز مرحلة، يفسد كيمياء الحب، لتصبح
خيبة اخرى تنضاف لخيبات عديدة في الحياة.
من المؤسف أن العلاقات اليوم، استغنت عن التضحية و
التفاهم و تقبل الاختلاف. هذا ما يفسر ارتفاع معدل الطلاق في مجتمعنا، فالانجراف
خلف العاطفة بدون إدارة حكيمة، يليه اصطدام بالاختلاف، فوق أرضية نرجسية تنتظر
تنازل الطرف الآخر دائما لن يوصل إلا لشرخ كالانفصال لإنهاء العلاقة.
مثلث الحب عبارة عن ثلاثة أضلاع: ضلع المسؤولية، ضلع
التعلق و ضلع الحميمية. كل فرد فطره الله على ضلع او ضلعين أو ربما ثلاثة. لذلك لا
يجب على الشخص مطالبة الحبيب بالضلع الذي يتقنه هو، لربما الشريك يمتلك ضلع
المسؤولية في حين يجهل التعبيير عن تعلقه. بل يجب اكتشاف ما يميزه و تقبل اختلاف
زاويته و إثبات عاطفته. كثيرة هي المشاكل التي ترتكز على مطالبة الحبيب بالمعاملة
بالمثل او اكتساب صفة لا يمتلكها و إهمال ما يتقنه و صفاته المميزة، ولو ركزا على زاوية تقاطع ما
يتقنان لسكنا لبعضهما مدى الدهر بدون مشاكل.
سناء بري📝

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق