Breaking

Post Top Ad

Post Top Ad

الأحد، 15 ديسمبر 2019

فن القصة:حينما وجدتُ الله!

حينما وجدتُ الله!

حينما وجدتُ الله.



طالما تساءلت: "لماذا خلق الله الفقراء؟.. ألم يكن بمقدوره خلق جميع الناس سواسية، يملك كل واحد منهم قُوت عيشه كاملا؟!".

 أمي كانت تقول إننا لسنا فقراء، رغم أن سؤالي لم يوحِ قط يوما أني أطرحه من خلفية فقيرة، ولكنني فهمت مع مرور الوقت أن مثل هذه الأسئلة لا تدق إلا رؤوس الفقراء.

الراسخون في الدين، أو الذين ترسخ الدّين فيهم، يقولون إن الدنيا، بما فيها من تمايز بين غني وفقير، وشقي وسعيد، إنما هي كذلك لحكمة أرادها الله. وبين هذه الأجوبة الجاهزة، التي هي في نظري إخفاء للفشل، وإسقاط للعجز الإنساني على إرادة الرب، وبين ما تقوله أمي، والذي أعتبر أنه كان تحايلا عليّ لأستخرج قوة أسطورية من فطور الشاي والزيت، - بين هذا وذاك- لم أستقر على إجابة مقنعة، حتى إني كففت عن طرح ذلك السؤال بشكل شبه نهائي. إلا أن مسيري مع صديقي حمزة مسيرة ثلاثين كيلومترا في البراري الواقعة بين مرتيل وأزلا في اتجاة تطوان، خلال يوم ماطر، جعلتني ألتقي بهذا السؤال مجددا، على نحو لم أتوقعة، إذ أن حمزة قال بعد بلوغنا لمساحة أرضية شاسعة نبت فيها الشوك: "لعل الله يفكر الآن وهو يرانا في سبب خلقه لأشخاص يركبون السيارات والأموال، في نفس الوقت الذي جعلنا نحن نعاني  بهذه الطريقة".

قبل شهر، وبينما كنت أتمشى منحدرا نحو الكورنيش، وجدت الله على الرصيف، فصرخت بدهشة الفلاسفة: "لقد وجدت الله!!".. حملق فيّ جمع غفير كان يشاهد مبارة في قهوة مجاورة، ونبهني صوت داخلي بأنني سأعرض نفسي للقتل إن أنا تماديت. وما عزّز مخاوفي هو تذكري لتوحش الناس في ضرب شابة من أب ألماني وأم مغربية شوهدت وهي تشرب عصيرا في أحد نهارات رمضان من العام الماضي في سوق مرتيل اليومي.

لكن لماذا سيقتلونني؟.. لقد وجدت الله فعلا.. قطعة فضية منحوتة على شكل اسم الله، حملتها في جيبي وعلقتها في إطار لوحة زيتية تؤثث شقتي، إلى جانب لفافة بلاستيكية عقدت فيها أمي قطعا وأوراقا نقدية أرسلتها لي من بوكيدان.

في ذلك اليوم الماطر الذي قطعنا فيه مسافة ثلاث ساعات مشيا على الأقدام، أنا وحمزة، وبينما كنا على مشارف محطة البنزين الشعايري، نطق حمزة مجددا: "أكاد أجزم أن الملائكة الآن يجتمعون في غرفة واحدة ويضحكون علينا".. ما إن أكمل جملته حتى هطل وابل من المطر كأنما السماء برمتها تسقط فوق رأسيْنا، وهذا ما جعلنا نقول في نوبة هستيرية من الضحك: "هوّن عليكِ أيتها الملائكة.. إننا نمزح فقط".. لكن لم يتوقف المطر، ولم تكن هناك جدران نحتمي بها، سوى فتاتين كانتا تتجهان نحونا تحت مظلة واحدة.


الفكرة واحدة، تنطلق متحررة من عقال المخيلة سهما واحدا يتشظى في سماء لا متناهية. لكن كل إنسان يلتقطها، إنما يفعل ذلك على النحو الذي يروقه، أو على النحو الذي راق له صدفة، حسب الزمان والمكان. فالله في نظر رجل عاش طول حياته يعتقد أن الأرض جاثمة على قرن بقرة، ليس هو الله في نظر من يعيش تحت وطأة الشيفرات والأرقام واللوغاريتميات. والله في نظر من يصلي على بساط من حرير، ليس هو اللهُ في نظر من خاطب الملائكة ومن وجد الله على الرصيف!.




علي العبوتي📝


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

Post Top Ad