أحلام ديسمبر.
ربما
قد تكون مثلي بدأت في تقييم سنة 2019 قبل رحيلها و بداية سنة جديدة. تفكر في كيفية
ترتيب أمور حياتك على كافة الأصعدة للسنة الجديدة: الجانب المادي، الاجتماعي،
العاطفي و الديني و غير ذلك من أمور الحياة. غير أن هذا الترتيب لابد أن يبنى على
تقييم لنفس الجوانب خلال السنة الجارية. ربما هناك أشياء، أشخاص، مشاعر يجب أن
تترك هنا. ربما هناك جوانب يجب أن تلغى من الأساس و أخرى حان وقت أن تؤخذ على محمل
الجد. ربما كل شيء على ما يرام و يكفي التمسك بما حققنا من إنجازات و الافتخار
بها.
أحلام
ديسمبر تشبه كثيرا تلك الوعود التي نقطعها أمام أنفسنا ليلا و نتعهد بالالتزام بها
غذا. نفس الاندفاع و الحماس و التخطيط المحكم. إلا أننا نستيقظ صباحا و قد نسينا
تماما ما خططنا له، يخمد الاندفاع و الحماس و ننكب على عيش التكرار و الروتين. تلك
الأحلام ستبقى سجينة ديسمبر، سجينة انعدام الرغبة في الاختلاف و التغيير.
قبل
عشرين سنة، كان حلمي أن أكبر و أتخلص من يد أمي، التي تقبض معصمي الصغير دائما، أن
أصبح حرة مثل الكبار لأقفز هنا و هناك. مرت الأعوام بسرعة مخيفة، اكتشفت أن الكبار
ليسوا أحرارا بل تكبل معاصمهم قيود أسوء من يد أمي بكثير. لما تخلصت منها كنت قد
كبرت كثيرا على القفز و المرح، علمت حينها أن قبضتها كانت تحميني من مخاطر الحياة.
اكتشفت أن المشي وحيدة بدون أن يمسك معصمي شخص ما ليست حرية و إنما وحشة. علمت
أننا نحن الكبار كل منا أصبح بطريقة أو بأخرى عبدا لشيء أو لشخص أو لطموح ما.
تجري
الحياة بما لا تتشتهي أحلامنا ، هذا لا يعني أن سعادتنا رهينة بتحقيقها فقط. ربما
يساق إلينا قدر من الله خير من كل تلك المتمنيات الوردية، فالتدبير الإلهي أبلغ و
أكثر دقة و حكمة من قصدنا، لا تجوز المقارنة أصلا. الإنسان يبقى ضعيفا و نظرته
تحكمها رغبات و أهواء قليلا ما تصيب و كثيرا ما تخطئ. غير أن ما يحز في النفس هو
ذلك الرجاء المندفع في بلوغ شيء أو شخص في حين أن النصيب مختلف تماما.
ديسمبر
الماضي أيضا وضعت قائمة بذهني لأهداف العام الجديد. أتساءل دائما: لماذا بالضبط
ديسمبر؟ فالزمان عجلة لا تعترف بهذا التقسييم البشري. لا أنكر أني حققت بعض
الأهداف. لكني أرجع فشلي في تحقيق الباقي لسوء التدبير و عدم ترتيبها حسب
الأولوية و الاشتغال على تحقيق الأهم بينها فقط. بل كان الجهد موزعا بالتساوي في
حين كانت هناك أهداف ثانوية تستحق أقل جهد ممكن. أدركت أيضا أنه ينتهي
شغفنا بحلم ما عندما تهان قلوبنا ، حينئذ ندرك أنه ما عادت هناك فائدة على
الإصرار فيما نحب وفيما نتمنى.
الفشل
عائد أساسا لعدة أسباب، أهمها سوء إدارة هذه الأحلام أو الأهداف، بالإضافة لهدر
المجهود في سبيل تحقيق أهداف ثانوية بدل التركيز على الأساسية منها. لاحظ
عالم إيطالي أن 80% من إنتاج العسل بحديقته أنتجته فقط 20% من النحل
الموجود. ركز على هذه القاعدة فوجد أنها تنطبق في جميع أمور الحياة. مثلا 80% من
الأراضي بإيطاليا تملكها فقط 20% من الساكنة تتمثل في الطيقة الغنية طبعا.
باريتو اعتبر هذه القاعدة عامة، تنص على أن 80% من النتيجة تأتي من 20% من الأسباب
فقط.
سأفترض
قائمة لعشرة اهداف للسنة القادمة:
١. قراءة ١٢ كتابا بمعدل كتاب كل شهر.
٢. تعلم لغة جديدة
٣. توفير قسط من المدخول.
٤. كتابة اكبر عدد من المقالات.
٥. شراء هاتف جديد.
٦. حفظ ما تيسر من القرآن.
٧. زيارة عدد من المدن و المناطق الرائعة.
٨. الانخراط بالعمل الجمعوي.
٩. الاستمتاع و الحفاظ على اللياقة البدنية.
١٠. تطوير و اكتساب مهارات جديدة بالعمل.
مبدأ
أو قاعدة باريتو حث على تحديد 20% من هذه الأهداف باعتبارها الأهم ثم التركيز
عليها فقط لأنها ستتكلف بتحقيق 80% من النتائج. حسب اللائحة أعلاه، الهدف الأول و
العاشر هما الأساسيين؛ فالأول سيضمن اكتساب أسلوب جيد و مخزون ثقافي محترم لكتابة
مقالات جديدة و مفيدة، كما أن قراءة الكتب بعدة لغات سيسمح بتعلم لغات جديدة
و إتقان المكتسبة منها سابقا. أما الهدف العاشر الذي يركز على تطوير المهارات و
اكتساب الجديد منها، سيسمح بالاستمتاع بالعمل و الزيادة من المردودية مما
سينعكس إيجابا على القسط الذي سيتم توفيره و بالتالي التمكن من شراء الهاتف أو
الحاسوب و زيارة المدن المحددة.
تذكرت
أستاذا كان قد تحدث عن صيغة شبيهة بمبدأ باريتو. و تحدث عن كيفية تجهيز الدرس قبل
تقديمه داخل الفصل. بحيث حدد مدة التجهيز في نصف مدة التقديم فقط. إن
كان إلقاء الدرس سيتطلب ساعة خلال الفصل
الدراسي فعلى الأستاذ أن يجهزه في ثلاثين دقيقة فقط. كما أنه اعتبر تخصيص نصف
اليوم أو عدة ساعات لتحضير درس سيمتد على ساعة من الزمن، سوء تدبير و مضيعة للجهد
و الوقت.
نفس
المبدأ يمكن تطبيقه في الشغل، في العلاقات الاجتماعية، في الدراسة، في تدبير
الزمن، في أسلوب الحياة، في الجانب الديني .... شريطة تحديد الأولويات التي لا
تتعدى 20% من مجمل الأهداف و التركيز عليها لتطويرها و بلوغ 80 % من الإنتاج بأقل
جهد ممكن.
سناء
بري📝

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق